Home / العربية / اشكالية التنفيذ بين قوة القانون وقانون القوة‎

اشكالية التنفيذ بين قوة القانون وقانون القوة‎

الإستياء‭ ‬هو‭ ‬الطابع‭ ‬العام‭ ‬لدى‭ ‬أغلب‭ ‬المتقاضين‭ ‬داخل‭ ‬أسوار‭ ‬المحاكم‭ ‬المغربية،‭ ‬حيث‭ ‬يتساءل‭ ‬أغلبهم‭ ‬عن‭ ‬التنزيل‭ ‬الفعلي‭ ‬والعملي‭ ‬للأحكام‭ ‬القضائية‭ ‬ومدى‭ ‬أهمية‭ ‬الالتزام‭ ‬بتنفيذ‭ ‬قوة‭ ‬الشيء‭ ‬المقضي‭ ‬فيه؛‭ ‬وذلك‭ ‬لما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬إجلال‭ ‬لحرمة‭ ‬وقداسة‭ ‬القضاء،‭ ‬وحماية‭ ‬للشرعية‭ ‬وسيادة‭ ‬القانون،‭ ‬ويتساءلون‭ ‬أيضًا‭ ‬عن‭ ‬تنفيذ‭ ‬الأحكام‭ ‬والقرارات‭ ‬القضائية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬المحكوم‭ ‬عليهم‭ ‬سواء‭ ‬كانوا‭ ‬أشخاصًا‭ ‬ذاتيين‭ ‬أو‭ ‬معنويين‭ ‬أو‭ ‬اتجاه‭ ‬الإدارة‭ ‬العمومية،‭ ‬وهل‭ ‬يخضعون‭ ‬لقوة‭ ‬القانون‭ ‬أم‭ ‬لقانون‭ ‬القوة؟‭!‬

‭ ‬فإن‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬تجاوزات‭ ‬وخروقات‭ ‬تحدث‭ ‬أثناء‭ ‬تنفيد‭ ‬الأحكام‭ ‬ضد‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذاتيين،‭ ‬الذين‭ ‬يعتمدون‭ ‬غالبًا‭ ‬على‭ ‬الشطط‭ ‬في‭ ‬استعمال‭ ‬السلطة‭ ‬والنفوذ،‭ « ‬وباك‭ ‬صاحبي،‭ ‬والشكارة‭ »‬،‭ ‬فمن‭ ‬غير‭ ‬المفهوم‭ ‬أن‭ ‬تسلب‭ ‬الإدارة‭ ‬للمواطن‭ ‬حقوقه،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تصونها‭ ‬وتدافع‭ ‬عنها‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬مختلف‭ ‬الإدارات،‭ ‬مع‭ ‬تسهيل‭ ‬التعقيدات‭ ‬المسطرية‭.‬

‭ ‬الغاية‭ ‬المستهدفة‭ ‬من‭ ‬استصدار‭ ‬الأحكام‭ ‬هو‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬نفاذ‭ ‬منطوقه‭ ‬تبعًا‭ ‬للصيغة‭ ‬التنفيذية‭ ‬المذيلة‭ ‬به،‭ ‬ولن‭ ‬يحقق‭ ‬القضاء‭ ‬هذا‭ ‬المبتغى‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬ضمن‭ ‬لهيئته‭ ‬الحرمة‭ ‬اللازمة‭ ‬والفعالية‭ ‬الضرورية‭ ‬بجعل‭ ‬أحكامه‭ ‬الصادرة‭ ‬تستهدف‭ ‬الإنصاف‭ ‬وفورية‭ ‬البت‭ ‬والتنفيذ‭ ‬وجريان‭ ‬مفعولها‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يعنيهم‭ ‬الأمر‭.‬

فلا‭ ‬يمكن‭ ‬الاقتصار‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬متطلبات‭ ‬الأمن‭ ‬القانوني‭ ‬والقضائي‭ ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬استقلالية‭ ‬وحرية‭ ‬القاضي‭ ‬في‭ ‬البت‭ ‬وإصدار‭ ‬القرارات‭ ‬القضائية؛‭ ‬وإنما‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬وجوب‭ ‬احترام‭ ‬أحكامه،‭ ‬وضمان‭ ‬تنفيذها‭ ‬وفقًا‭ ‬للمبدأ‭ ‬القانوني‭ ‬القاضي‭ ‬بحتمية‭ ‬تقييد‭ ‬الأحكام‭ ‬والقرارات‭ ‬القضائية؛‭ ‬فالقاعدة‭ ‬القانونية‭ ‬تولد‭ ‬جامدة‭ ‬وتضل‭ ‬كذلك‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يحرك‭ ‬القضاء‭ ‬سكونها‭ ‬عبر‭ ‬آليات‭ ‬تنفيذها‭ ‬بموجب‭ ‬أحكام‭ ‬وقرارات‭ ‬صادرة‭ ‬عنه‭ ‬يستوجب‭ ‬الالتزام‭ ‬بها‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬المساواة‭ ‬أمام‭ ‬أحكام‭ ‬القانون؛‭ ‬لكي‭ ‬لا‭ ‬تنحدر‭ ‬إلى‭ ‬مصاف‭ ‬القرارات‭ ‬المنعدمة‭ ‬المفعول‭.‬

إن‭ ‬أهمية‭ ‬تنفيذ‭ ‬الأحكام‭ ‬القضائية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬من‭ ‬صدرت‭ ‬ضدهم،‭ ‬هي‭ ‬محصنة‭ ‬بالفصل‭ ‬124‭ ‬من‭ ‬الدستور‭ ‬المغربي،‭ ‬الذي‭ ‬ينص‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬تصدر‭ ‬الأحكام‭ ‬وتنفذ‭ ‬باسم‭ ‬الملك‭ ‬وطبقًا‭ ‬للقانون‭. ‬فشرعية‭ ‬التنفيذ‭ ‬تستمد‭ ‬حصانتها‭ ‬من‭ ‬الدستور‭ ‬والقانون‭ ‬ويزكيها‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬به‭ ‬الفصل‭ ‬126‭ ‬بتنصيصه‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الأحكام‭ ‬النهائية‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬القضاء‭ ‬ملزمة‭ ‬للجميع‭. ‬ويجب‭ ‬على‭ ‬السلطات‭ ‬العمومية‭ ‬تقديم‭ ‬المساعدة‭ ‬اللازمة‭ ‬أثناء‭ ‬المحاكمة،‭ ‬إذا‭ ‬صدر‭ ‬الأمر‭ ‬إليها‭ ‬بذلك،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬أهمية‭ ‬ضمان‭ ‬آلية‭ ‬تنفيذ‭ ‬الأحكام‭.‬

فإذا‭ ‬كان‭ ‬العمل‭ ‬القضائي‭ ‬بين‭ ‬جريمة‭ ‬تحقير‭ ‬مقررًا‭ ‬قضائيًّا‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬موضحة‭ ‬عناصرها‭ ‬وشروط‭ ‬قيامها‭ ‬في‭ ‬المادة‭ ‬266‭ ‬من‭ ‬القانون‭ ‬الجنائي،‭ ‬وواقعة‭ ‬الامتناع‭ ‬عن‭ ‬التنفيذ،‭ ‬واعتبر‭ ‬أن‭ ‬مجرد‭ ‬الامتناع‭ ‬عن‭ ‬التنفيذ‭ ‬لا‭ ‬يُعد‭ ‬مبررًا‭ ‬كافيًّا‭ ‬للقول‭ ‬بقيام‭ ‬الجريمة،‭ ‬طالما‭ ‬لم‭ ‬يصدر‭ ‬عن‭ ‬المنفذ‭ ‬عليه‭ ‬أي‭ ‬سلوك،‭ ‬أو‭ ‬قول،‭ ‬أو‭ ‬فعل،‭ ‬من‭ ‬شأنه‭ ‬المساس‭ ‬بالاحترام‭ ‬الواجب‭ ‬للقضاء‭ ‬وسلطته‭.‬

الفصل‭ ‬257‭ ‬من‭ ‬القانون‭ ‬الجنائي‭ ‬المغربي‭ ‬نص‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬كل‭ ‬قاض‭ ‬أو‭ ‬موظف‭ ‬عمومي‭ ‬يكلف‭ ‬أو‭ ‬يأمر‭ ‬بحمل‭ ‬غيره‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكلف‭ ‬أو‭ ‬يأمر‭ ‬باستعمال‭ ‬القوة‭ ‬العمومية‭ ‬أو‭ ‬تدخلها‭ ‬ضد‭ ‬تنفيذ‭ ‬قانون‭ ‬أو‭ ‬تحصيل‭ ‬جباية‭ ‬مقررة‭ ‬بوجه‭ ‬قانوني‭ ‬أو‭ ‬ضد‭ ‬تنفيذ‭ ‬إما‭ ‬أوامر‭ ‬أو‭ ‬قرارات‭ ‬قضائية‭ ‬وإما‭ ‬أي‭ ‬أمر‭ ‬آخر‭ ‬صادر‭ ‬من‭ ‬سلطة‭ ‬شرعية،‭ ‬يعاقب‭ ‬بالحبس‭ ‬من‭ ‬سنة‭ ‬إلى‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭. ‬

ويجوز‭ -‬علاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭- ‬أن‭ ‬يحكم‭ ‬على‭ ‬مرتكب‭ ‬الجريمة‭ ‬بالحرمان‭ ‬من‭ ‬واحد‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الحقوق‭ ‬المشار‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬الفصل‭ ‬40‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬القانون؛‭ ‬حيث‭ ‬يجوز‭ ‬عليه‭ ‬بالحرمان‭ ‬من‭ ‬مباشرة‭ ‬جميع‭ ‬الوظائف‭ ‬والخدمات‭ ‬العامة‭ ‬مدة‭ ‬لا‭ ‬تزيد‭ ‬على‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬امتناع‭ ‬غير‭ ‬مبرر‭ ‬على‭ ‬سند‭ ‬قانوني‭ ‬وتحت‭ ‬رقابة‭ ‬سلطة‭ ‬القضاء‭ ‬يعد‭ ‬شططا‭ ‬في‭ ‬استعمال‭ ‬الموظفين‭ ‬للسلطة‭ ‬ضد‭ ‬النظام‭ ‬العام‭. ‬فمن‭ ‬المفترض‭ ‬أنّ‭ ‬الدولة‭ ‬تُعد‭ ‬خصمًا‭ ‬شريفًا،‭ ‬ويتوجّب‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تدفع‭ ‬حقوق‭ ‬دائنيها‭ ‬وتقوم‭ ‬بجميع‭ ‬واجباتها‭ ‬دون‭ ‬تهرب‭ ‬أو‭ ‬تأخير‭ ‬أو‭ ‬تقصير‭. ‬فأحكام‭ ‬القضاء‭ ‬والمحاكم‭ ‬الإدارية‭ ‬ملزمة‭ ‬للإدارة،‭ ‬وعلى‭ ‬السلطات‭ ‬الإدارية‭ ‬أن‭ ‬تتقيّد‭ ‬بالحالات‭ ‬القانونية‭ ‬كما‭ ‬وصفتها‭ ‬هذه‭ ‬الأحكام‭. ‬ويجب‭ ‬تنفيذ‭ ‬هذه‭ ‬الأحكام‭ ‬في‭ ‬مهلة‭ ‬معقولة‭. ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬الأحكام‭ ‬القضائية‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬بالقوة‭ ‬التنفيذية،‭ ‬تعد‭ ‬ملزمة‭ ‬للسلطة‭ ‬الإدارية،‭ ‬فعلى‭ ‬السلطة‭ ‬احترام‭ ‬الأحكام‭ ‬القضائية‭ ‬بصورة‭ ‬دائمة،‭ ‬وتنفيذ‭ ‬الأمر‭ ‬المقضي‭ ‬به‭ ‬وفق‭ ‬منطوق‭ ‬تلك‭ ‬الأحكام،‭ ‬وإلّا‭ ‬اختل‭ ‬ميزان‭ ‬العدالة‭ ‬وفسدت‭ ‬مقاديره‭ ‬وتلاشت‭ ‬القيم‭ ‬القانونية،‭ ‬وأصبح‭ ‬مبدأ‭ ‬الشرعية‭ ‬بلا‭ ‬قيمة‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬جرم‭ ‬الامتناع‭ ‬عن‭ ‬تنفيذ‭ ‬الأحكام‭ ‬والقرارات‭ ‬القضائية‭ ‬يكون‭ ‬أعظم‭ ‬إذا‭ ‬صدر‭ ‬عمن‭ ‬عظمت‭ ‬الأمانة‭ ‬التي‭ ‬عُهد‭ ‬بها‭ ‬إليه‭.‬

إن‭ ‬الأحكام‭ ‬والقرارات‭ ‬القضائية‭ ‬غير‭ ‬المنفذة‭ ‬تعرف‭ ‬تزايدًا‭ ‬ملحوظًا،‭ ‬وإن‭ ‬الإحصائيات‭ ‬بشأن‭ ‬نسبة‭ ‬تنفيذ‭ ‬الأحكام‭ ‬النهائية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬أشخاص‭ ‬القانون‭ ‬العام‭ ‬تفيد‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬النسبة‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬45.3%‭ ‬سنتي‭ ‬2012‭ ‬و‭ ‬2013،‭ ‬بينما‭ ‬صرح‭ ‬وزير‭ ‬العدل‭ ‬مؤخرًا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سؤال‭ ‬شفهي‭ ‬بالبرلمان،‭ ‬بأن‭ ‬عدد‭ ‬الملفات‭ ‬التنفيذية‭ ‬المسجلة‭ ‬سنة‭ ‬2017‭ ‬بمجموع‭ ‬محاكم‭ ‬المملكة‭ ‬بلغ‭ ‬ما‭ ‬مجموعة‭ ‬343‭ ‬ألفًا‭ ‬و‭ ‬233‭ ‬ملفًا،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬بلغ‭ ‬عدد‭ ‬الملفات‭ ‬المنفذة‭ ‬ما‭ ‬مجموعه‭ ‬368‭ ‬ألفًا‭ ‬و865‭ ‬ملفا‭. ‬مضيفًا‭ ‬أن‭ ‬عدد‭ ‬الملفات‭ ‬المنفذة‭ ‬تجاوز‭ ‬عدد‭ ‬الملفات‭ ‬المسجلة‭ ‬بـ‭ ‬25‭ ‬ألفًا‭ ‬و623‭ ‬ملفًا،‭ ‬ما‭ ‬يعد‭ ‬مؤشرًا‭ ‬إيجابيًّا‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬انخفاض‭ ‬المخلف‭ ‬عن‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية،‭ ‬لتبقى‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬رهينة‭ ‬تقارير‭ ‬مصدرها‭ ‬الوزارة‭ ‬نفسها‭ !! ‬ليس‭ ‬إلا،‭ ‬وواقع‭ ‬الحال‭ ‬لا‭ ‬يبت‭ ‬لها‭ ‬بصلة‭!!! ‬

بقلم‭ : ‬الباحثة‭ ‬في‭ ‬سلك‭ ‬الدكتوراه‭ ‬الأستاذة‭ ‬سناء‭ ‬الزباخ‭                                                                                                                               ‬

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *